[code

الاثنين، 4 يونيو، 2012

أعقل الأمم ..



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من كتاب الامتاع والمؤانسة لابي حيان التوحيدي –ج1 – ص 21
قال شبيب بن شبة "أحد بلغاء العرب وجليس الملوك": إنا لوقوفٌ في عرصة المربد - وهو موقف الأشراف ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر - إذ طلع ابن المقفع " من أبناء الفرس الذين نشأوا بين العرب "، فما فينا أحد إلا هش له، وارتاح إلى مساءلته، وسررنا بطلعته؛ ......... ،
فقال: أي الأمم أعقل؟


فظننا أنه يريد الفرس، فقلنا: فارس أعقل الأمم، نقصد مقاربته، ونتوخى مصانعته.
فقال: كلا، ليس ذلك لها ولا فيها، هم قوم علموا فتعلموا، ومثل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتباعه، ليس لهم استنباط ولا استخراج.
فقلنا له: الروم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم أبدانٌ وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما.
قلنا: فالصين. قال: أصحاب أثاثٍ وصنعة، لا فكر لها ولا روية.
قلنا: فالترك. قال: سباع للهراش.
قلنا: فالهند. قال: أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة.
......
.....
فرددنا الأمر إليه. قال: العرب.
فتلاحظنا وهمس بعضنا إلى بعض، فغاظه ذلك منا، وامتقع لونه، ثم قال: كأنكم تظنون في مقاربتكم، فو الله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ظنة المداراة، وتوهم المصانعة؛ إن العرب ليس لها أولٌ تؤمه ولا كتابٌ يدلها، أهل بلد قفر، ووحشةٍ من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله؛ وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاة والبعير؛ ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعياً وصيفياً، وقيظياً وشتوياً؛ ثم علموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء؛ وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة؛ واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلةً على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد؛ وجعلوا بينهم شيئاً ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل، ويتجنون به على الدناءة ويحضهم على المكارم؛ حتى إن الرجل منهم وهو في فجٍ من الأرض يصف المكارم فما يبقى من نعتها شيئاً، ويسرف في ذم المساوىء فلا يقصر؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد، كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون، بل نحائز مؤدبة، وعقولٌ عارفة؛ فلذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم. هذا آخر الحديث.
قال: ما أحسن ما قال ابن المقفع! وما أحسن ما قصصته وما أتيت به!


منقول للإفادة 


*

هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم
    نسأل الله سبحانه وتعالى ان يمكن لنا فى الارض بالخير والاحسان وان يوحد صفوفنا و ويثبتنا على الايمان ونعود بالفعل
    ( خير امة اخرجت للناس )
    احسنت النقل الرائع والمفيد )
    دمت بكل خير استاذى العزيز
    بارك الله فيك
    تحياتى وتقديرى

    ردحذف
  2. السلام عليكم أخي منجي

    بارك الله فيك وجعلها في ميزان حسانتك

    عيد سعيد مبروك أعادة الله علينا وعليكم وعلي الامة الاسلامية باليمن والبركات
    تحياتي وأحترامي

    ردحذف
  3. كل عام و انت بخير
    شاكر على كلماتك الرقيقة عن مدونتى
    مدوناتك رائعة
    احب ابوحيان التوحيدى و اعشق اسلوبه و اكره نهايته

    ردحذف